منذ 25 عاما مستوطنون يعنفون إدريس..وهو صلب كالصخر

الحكاية عمرها 25 عاما، عندما حاول مستوطن قتل المواطن الفلسطيني صادق يونس إدريس بالرصاص، من أجل التخلص من “صخرة كبيرة” يمثلها شاب فلسطيني يعوق مشروعا توسعيا، لكن القدر كان أن الصخرة أصلب مما يتخيل المجرمون.
وفي مشهد يتكرر يومياً يندفع مستوطنون من كافة الأعمار من أعلى الجبل باتجاه منحدر يعلو منزل إدريس، في منطقة تدعى “خلّة النتش” في الطرف الجنوبي الشرقي من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية. ومن هناك يصبّون على الرجل وعياله أذاهم المادي بالحجارة والقاذورات، وأذاهم المعنوي بالشتائم والألفاظ النابية والخادشة للحياء
يبدي إدريس من العزيمة والإصرار ما يصعب تخيّله، بل أبعد من ذلك يقول إنه شعر بـ”ارتياح نفسي كبير” بينما كان ينقل إلى المستشفى نتيجة إصابته بكسر في يده يوم 24 يناير/كانون الثاني الجاري، أما تفسير ذلك فيقول إنها قناعته المتزايدة بعدالة قضيته، وكون الاعتداء أظهر كيف يشكل وجوده كابوسا للمستوطنين.
ويوميا، يوثق صادق وأبناؤه الاعتداءات ويرسلونها للصحفيين، والمنظمات الحقوقية، لكنه لا يحتفظ بها ولا يحرص على حفظ تواريخها لسبب غريب، يفسره بقوله: “حتى لا أعود لمشاهدتها ويدخل الشيطان إلى نفسي وأضعف، لا أرغب في العودة إلى مآسي الماضي الكثيرة، حتى لا أصاب بالإحباط، ممنوع أن نضعف”.
لا يحصي إدريس عدد المرات التي تعرض فيها هو أو أبناؤه للضرب أو الإصابة بالحجارة، لكنه يجزم بأنها تقدر بالمئات.
بالترغيب تارة، وبالترهيب تارات كثيرة، بدأت محاولات الهيمنة على قطعة الأرض التي يملكها في حياة الأب يونس إدريس، ثم تواصلت مع ابنه صادق الذي ظل سدا منيعا أمام تلك الأطماع، وبوسائل متعددة.
يقول إدريس إن تلك المحاولات بدأت من خلال مستوطن ورجل أعمال يدعى إيدي يملك عدة مصانع محاذية للمنزل، ثم عن طريق وسطاء وسماسرة وحتى أفراد من الشرطة وجنود في محاولة لشراء ولو ألف متر مربع من قطعة الأرض.
أما عن المقابل، فيقول “عرضوا على والدي شيكا مفتوحا يكتب فيه المبلغ المالي الذي يريده، ثم قدموا لي العرض نفسه، وزادوا بأنهم يستطيعون منحي كميات الذهب التي أريدها مع ضمان سفري إلى شيكاغو وحصولي على الجنسية الأمريكية، دون أن يدركوا أن لعاب محدثهم لا يسيل للأموال”.
وعن سر صموده في المكان ذاته الذي أقام فيه والده قبل احتلال الضفة عام 1967، وقدرته على مقارعة المستوطنين ومن ورائهم جيش الاحتلال والشرطة طوال هذه المدة، يختصر المواطن الفلسطيني الإجابة في كلمتين “أرضي عرضي”.
ويضيف “لا مؤهل لدي سوى إيماني بقضيتي وحقي، لو لم نجد إلا السماء نلتحف بها، وحصيرة نجلس عليها لن نغادر هذه الأرض، كلما ازدادوا إجراما ازددنا عزيمة وإصرارا وحرصا على البقاء”.
ويتابع “ولدت في هذه المنطقة، وهي عزيزة عليّ وعلى أولادي وأحفادي، أمي ربتني فيها ولا أتخلى عن ذرة تراب منها”.
ووصف أرضه بأنها كانت “جنّة” ينتج منها أطنانا من العنب ويسوّقه في القدس، لكنه اليوم يلاحَق كلما أراد حراثتها أو رعايتها، مما أدى إلى تلف أغلب المزروعات.
وبسؤاله عما يحتاجه ويعزز صموده في ظل الظروف الخطرة التي يعيشها، كانت إجابة إدريس أيضا مختلفة: “من البشر لا نريد مالا أو غذاء أو لباسا أو حتى حماية، بل مساندة نفسية، فكل كلمة حلوة أو اتصال هاتفي يشد من عزيمتنا يزيدنا قوة، ونسأل الله الثبات”.
يتعايش إدريس وأبناؤه مع العنف اليومي بما يشبه برنامج المناوبة، البعض يذهب إلى العمل لجلب الرزق، وآخرون يرابطون في المنزل لصد اعتداءات المستوطنين، وفي الليل يتناوبون برنامج الحراسة.