من الاتهام إلى الحقيقة: قراءة في قضية السفير الفلسطيني الأسبق أشرف دبور
البداية من المشهد الحالي
بعد قرار أصدره رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في تموز من العام الماضي، قضى بإعفاء السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور من مهامه كنائب للمشرف العام على الساحة اللبنانية، دخلت القضية مرحلة جديدة أكثر حساسية، مع تسريبات عن ملاحقات قضائية وتدويل للملف.
وبحسب ما كشفته مصادر صحفية، أصدرت “الدولة الفلسطينية” مذكرة توقيف غيابية بحق دبور، جرى تعميمها على الإنتربول، كما تم تسليمها إلى القضاء اللبناني، مع طلب رسمي بالتعاون لإلقاء القبض عليه وتسليمه إلى القضاء الفلسطيني.
هذا التطور مثّل تصعيداً نوعياً في القضية، ونقلها من إطار الخلاف السياسي والإعلامي إلى مستوى الإجراءات القضائية العابرة للحدود.
.

طبيعة التهم المعلنة
وفق المعلومات المتداولة، فإن القضاء الفلسطيني يلاحق دبور بعدة تهم، أبرزها:
- الفساد
- الكسب غير المشروع
- غسل الأموال
- خيانة الأمانة
وبناءً على هذه التهم، صدرت مذكرة توقيف غيابية بحقه، وتم تعميمها دولياً، مع الإشارة إلى أن النشرة الحمراء صدرت في الثاني من كانون الأول الماضي.
كما طلب القضاء الفلسطيني من السلطات اللبنانية:
- التأكد مما إذا كان دبور موجوداً على الأراضي اللبنانية
- مراقبة حركة دخوله وخروجه
- تزويد الجانب الفلسطيني بأي معلومات متصلة بمكان وجوده
موقف القضاء اللبناني
تشير المعلومات إلى أن القضاء اللبناني، بعد تسلمه المذكرة، قام بتعميم بلاغ بحث وتحرٍ بحق دبور، وأصدر قراراً بمنعه من السفر.
إلا أنه، حتى الآن، لم يتبيّن بشكل قاطع ما إذا كان دبور موجوداً داخل الأراضي اللبنانية أم خارجها.
وتحدثت المصادر عن حالة استياء لدى السلطة الفلسطينية من بطء الجانب اللبناني في تزويد المعلومات، في مقابل إصرار فلسطيني على تسريع الإجراءات.
تصريحات دبور: نفي ورفض للإجراءات
في مقابل هذه التطورات، كان دبور قد أكد في تصريحاته العلنية أنه لم يُستدعَ للتحقيق، ولم يُحاكم، ولم يُبلّغ رسمياً بأي اتهام أصولي قبل صدور هذه الإجراءات، معتبراً أن ما يجري يمس سمعته وتاريخه.
كما شدد على حقه في معرفة التهم الموجهة إليه بشكل واضح، وحق الشعب الفلسطيني في معرفة الحقيقة كاملة، لا عبر التسريبات أو الاتهامات غير المسبوقة بمحاكمة.
سؤال التوقيت يعود مجدداً
مع صدور مذكرة التوقيف، عاد سؤال التوقيت ليطرح نفسه بقوة:
- لماذا بدأت هذه الإجراءات بعد إعفائه من مهامه؟
- ولماذا بعد طرحه العلني لملف العقار؟
- ولماذا بعد عشرين عاماً من العمل الرسمي دون مساءلة علنية؟
هذه الأسئلة لا تنفي حق القضاء في الملاحقة، لكنها تضع علامات استفهام حول تسلسل الأحداث وترابطها.
العودة إلى أصل القضية: ملف العقار
رغم التصعيد القضائي، يبقى أصل الخلاف، كما هو معلن، مرتبطاً بملف بيع عقار تابع لـ منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
دبور كان قد صرّح بأن لجنة مكلّفة قامت ببيع العقار، وأنه عُرض عليه مبلغ 500 ألف دولار من ثمن البيع، وهو ما اعتبره أمراً غير قانوني ويستوجب المساءلة، وسأل علناً:
- أين ذهب ثمن العقار؟
- وهل دخل كاملاً إلى الخزينة؟
- ومن سمح بالتصرف بجزء منه؟
حتى الآن، لم تُعرض للرأي العام أي نتائج تحقيق رسمية تجيب عن هذه الأسئلة.
من ملف عقاري إلى ملاحقة شاملة
ما يلفت في مسار القضية هو الانتقال السريع من ملف محدد (العقار) إلى حزمة واسعة من التهم الثقيلة، من دون إعلان نتائج تحقيق مالي أو إداري واضح للرأي العام.
هذا التحول عزّز الانقسام حول القضية:
- فريق يرى أن الإجراءات طبيعية في ملف فساد
- وفريق آخر يعتبر أن التصعيد يسبق التحقيق ويغلق الباب أمام كشف أصل الخلل
الخلافات الجانبية
إقرار دبور بوجود خلاف مع ياسر عباس يظل عاملاً حاضراً في خلفية المشهد، لكنه لا يُغني عن الإجابة على السؤال الأساسي:
هل ما يجري هو معالجة قضائية لملف فساد، أم إدارة سياسية لخلاف خرج عن السيطرة؟
الخلاصة
مع دخول القضاء والإنتربول على خط القضية، لم تعد المسألة خلافاً داخلياً، بل باتت قضية رأي عام تمس صورة المؤسسات، وحق الناس في معرفة الحقيقة كاملة.
القاعدة البسيطة التي لا يمكن تجاوزها:
الاتهام حق، والمحاسبة واجب. لكن العدالة لا تكتمل من دون تحقيق شفاف، وتسلسل واضح للإجراءات، وكشف وقائع لا لبس فيها
وإلى أن يقول القضاء كلمته النهائية، سيبقى السؤال قائماً:
هل الهدف كشف الحقيقة كاملة، أم إغلاق الملف بأقصى سرعة، مهما كان الثمن؟