السلطة الفلسطينية تساوم دبور
كشف مصدر عائلي لمنصة “مخيمات لبتان بوست” أن اتفاقاً حصل بين السلطة الفلسطينية والسفير السابق أشرف دبور ينهي ملفه نهائياً ويمنع ترحيله لرام الله، بشرط التزامه بالصمت وعدم الكشف عن ملفات حساسة، والتوقعات تشير لإطلاق سراحه قريباً.
تداول خبر تسوية مع السفير دبور
وكانت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ذكرت وفق معلومات ان مفاوضات مع السفير الفلسطيني السابق في بيروت أشرف_دبور لتسوية ملفه بعيدا عن القضاء، شرط ارجاع المستحقات المالية التي بقيت بحوزته إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
مما طرح تساؤلات عن جدية الملف كونه ملف قضائي وليس خلافا سياسيا، وكذلك يطرح تساؤلات لماذا لا تريد السلطة الذهاب بالملف الى النهاية .
من جهته نفى موقع المركزية نقلا عن مصدر مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية، في تصريح ما يتم تداوله عن موافقة رام الله على صفقة تسوية تقضي بالإفراج عن السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور.
وأكد المصدر “تمسّك القيادة الفلسطينية بتسليم دبور، وفق ما تقتضيه مذكرة الاسترداد الصادرة عن النيابة العامة الفلسطينية، وبما ينسجم مع الاتفاقيات والأعراف القضائية المعمول بها”
أشرف دبور… من سفير للسلطة إلى مطلوب منها
الرجل الذي مثّل السلطة الفلسطينية لمدة 13 عاماً في لبنان، كان حتى وقت قريب أحد أبرز وجوه السلطة في بيروت، وأصبح في الآونة الأخيرة مطلوباً من السلطة نفسها، وموقوفاً في لبنان بناء على مذكرة توقيف، حيث أصدر القضاء اللبناني مذكرة توقيف وجاهية بحق دبور على خلفية الاتهامات الواردة من السلطة الفلسطينية.
السلطة اتهمت دبور بالفساد واختلاس أموال عامة، فيما أصرت عائلته ومحاموه على أن القضية لا يمكن فصلها عن صراع سياسي وتنظيمي سبق الملاحقة القضائية.
دبور كما هو سائد في الأوساط الفلسطينية وصفت علاقته برئيس السلطة محمود عباس بأنها علاقة ثقة وقرب، كما لعب دوراً بارزاً في إدارة العلاقة مع القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية وفي ملفات المخيمات.
والسؤال الذي يطرح تفسه، لماذا انهارت علاقة دبور بالقيادة بعد سنوات طويلة من الثقة؟ لماذا أصبحت أملاك منظمة التحرير في لبنان موضع اشتباك مفتوح بينه وبين مسؤولين في السلطة؟ هل فُتحت التحقيقات ضده قبل ذلك أم بعده؟ ولماذا تصر رام الله على نقله إليها بينما تدعي أن جانباً مهماً من الاتهامات وقع في لبنان؟
والأهم من ذلك كله، لماذا لم تفتح الملفات أمام الرأي العام الفلسطيني؟
بداية الأزمة:
ابتدأت الأزمة في تموز\ يوليو 2025 عبر قرار إلغاء تكليف دبور من موقعه كنائب للمشرف العام على الساحة الفلسطينية في لبنان، ولاحقاً إنهاء مهمته كسفير حيث انتهت مهمته الدبلوماسية أيضاً، وانتقلت السفارة إلى محمد الأسعد، ليبدأ السفير دبور الحديث عن معلومات حو بيع عقارات للمنظمة بشبهات فساد .
مصادر فلسطينية ولبنانية ربطت التوتر بالخلافات التي أعقبت زيارة محمود عباس إلى لبنان في وإثارته تسليم السلاح الفلسطيني في المخيمات وترتيبات الساحة اللبنانية لدى حركة فتح، حيث أضافت المصادر أن الخلاف السياسي بدأ يتسع في تلك المرحلة.
هذه المعطيات أشارت إلى أن الإبعاد حصل أولاً، ثم ظهر النزاع المالي والعقاري لاحقاً إلى العلن، قبل أن تتحول القضية إلى مذكرات توقيف ومطالبة دولية بالاسترداد.
أملاك منظمة التحرير… الملف الذي لم يبقَ داخل الغرف المغلقة:
بعد خروجه من السفارة، تحدث دبور عن ملف أملاك منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وتحديداً صفقة تتعلق بمبنى المنظمة القديم والأرض وموقف السيارات المحيط به في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت.
ووفق ما أدلى به دبور كانت هناك محاولة لبيع العقار بسعر يقل كثيراً عن القيمة التي قدرتها لجنة تخمين عقارية، مضيفاً أنه اعترض على البيع مبلغاً محمود عباس بموقفه.
وليطلق الاتهام الأخطر أن أحد المكلفين بملف الأملاك عرض عليه مبلغ 500 ألف دولار من ثمن العقار، وهو عرض اعتبره محاولة لشراء موافقته أو صمته.
وتشير مراجعات صحفية ومطَّلعين على الملف إلى صعوبة تحديد الرقم الحقيقي لأملاك المنظمة خارج المخيمات، أن الرقم المتداول يصل إلى ألفين، كما تتحدث المصادر عن عقارات فقدت السلطة السيطرة عليها، وأخرى استولت عليها جهات وأفراد، وعقارات تعقدت بسبب طريقة تسجيل الملكية.
وأعلنت جريدة المدن على لسان الباحث والكاتب الفلسطيني يوسف نعنع في أن عدد المقار الفلسطينية المعلنة في الطريق الجديدة في بيروت قبيل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وصلت إلى واحد وثلاثين عقاراً.
أما خارج بيروت، فتفيد تقارير صحفية أن العقارات كانت أكبر حجماً خصوصاً في منطقة البقاع حيث تتقاطع مصادر عديدة أنها تجاوزت 5000 دونم، بالإضافة إلى 300 دونم في بلدة جنسنايا قضاء جزين. فضلاً عن عشرات الشقق في صيدا .
السلطة ترد… وتفتح ملف دبور:
في كانون الأول/ ديسمبر 2025، جاء رد السلطة الفلسطينية عبر وكالة وفا إن “الشائعات التي أطلقها السفير السابق أشرف دبور والمحال إلى التقاعد والمطلوب للعدالة في قضايا فساد حول أملاك منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، لا أساس لها من الصحة”.
وأكد، أن “الهدف من بث هذه الأكاذيب هو التشويش على التحقيقات الجارية حول الكثير من الملفات المالية والعقارية المتهم بالتصرف فيها خلال فترة عمله في سفارة دولة فلسطين في لبنان من عام 2012 إلى عام 2025، بصفته المفوض بالتوقيع على حسابات السفارة المالية، وإجرائه صفقات شراء عقارات ودفع أثمان بخلاف قيمتها الحقيقية، وسحب مبالغ نقدية من حسابات السفارة والاحتفاظ بها في صندوق شخصي خاص به”.
وأشارت وفا حول أملاك المنظمة إلى أنه “بالفعل تمت استعادة جزء مهم من هذه الأملاك وتصويب وضعها القانوني، ولا يزال العمل جاريًا على إنهاء هذا الملف واستعادة جميع الأملاك دون استثناء”.
وهنا يطرح في الفضاء العام وجود فجوة كبيرة بين الاتهامات التي وجهت إلى دبور وبين الأدلة التفصيلية التي يستطيع الجمهور الاطلاع عليها، وكم تبلغ الأموال المختلسة، وما هي العقارات التي اشتراها بأسعار مخالفة؟
ومن جهة أخرى إذا أثبتت المحكمة في لبنان أن أشرف دبور أساء إدارة أموال السفارة، فهل ذلك يجيب تلقائياً عن سؤال بيع عقار كورنيش المزرعة أو بقية أملاك المنظمة.
هل جرى التحقيق فعلاً في احتمال استخدام النفوذ السياسي داخل الملف؟
دبور لم يكن مجرد موظف إداري، وهو عضو سابق في مستوى قيادي داخل «فتح»، دخل في خلاف معلن مع قيادتها، ووجه اتهامات إلى شخصيات تتمتع بنفوذ كبير، ثم أصبح مطلوباً من الأجهزة التابعة للسلطة ذاتها.
في كانون الثاني/يناير 2026 كانت القضية قد انتقلت فعلياً إلى مستوى مختلف، تقارير إعلامية تحدثت عن مذكرة توقيف غيابية جرى تعميمها دولياً، فيما قال دبور في تصريحاته إنه لم يكن قد خضع، قبل التصعيد، لمسار استدعاء وتحقيق واضح بالنسبة إليه، وطالب بكشف الاتهامات والأدلة.
الإنتربول نفسه يوضح أن النشرة الحمراء ليست مذكرة توقيف دولية تصدر عنه، وإنما طلب للتعاون مبني على قرار أو مذكرة وطنية، وتقرر كل دولة كيفية التعامل معه وفق قانونها الداخلي.
وبالتالي وفق هذا التعريف، فإن القرار يعود إلى لبنان حول اعتقاله.
وفجر29 نيسان/أبريل 2026، أوقف الأمن العام اللبناني دبور لدى وصوله إلى مطار رفيق الحريري الدولي، حيث خضع للتحقيق أمام القضاء، لكنه لم يُنقل إلى رام الله، وأُخلي سبيله في اليوم نفسه، مع استمرار الإجراءات القضائية بحقه، وكان دبور قد اتهم السفير ياسر عباس (نجل الرئيس الفلسطيني) بالتدخل واستغلال النفوذ لأول مرة بشكل معلن ومفصل .
دبور يطلق حملة وطنية للحفاظ على الحقوق والمبادىء:
في تموز من العام 2026 أطلق دبور حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي يُطالب فيها بإعلان نتائج التحقيق فتوجيه الطلب للجنة: طالب لجنة التحقيق برئاسة اللواء توفيق الطيراوي بالكشف الفوري والعلني عما توصلت إليه من نتائج بعد مرور سنوات طويلة من الانتظار على اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات.
رأى مراقبون أن إثارة دبور لهذا الملف الحساس في هذا التوقيت تعد بمثابة أداة ضغط سياسي وهجوم مضاد ضد القيادة في رام الله، تزامناً مع الملاحقات القضائية وأوامر التوقيف الصادرة بحقه في لبنان على خلفية ملفات مالية.
الملفت أنه في 3 آب/أغسطس 2026، استجوبت النيابة العامة التمييزية دبور مجدداً لساعات، ثم أصدر النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج مذكرة توقيف بحقه، ودخل الملف مرحلة بحث طلب الاسترداد الفلسطيني.
وبعد دراسة الطلب، رفع النائب العام تقريراً إلى وزير العدل عادل نصار أوصى فيه بالموافقة على تسليمه، معتبراً، وفق المصادر القضائية، أن شروط الاسترداد متوفرة وأن الأموال موضوع الاتهامات تعود إلى الشعب الفلسطيني.
من جهتها طالبت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان السلطات بعدم تسليمه، مشيرة إلى ما قالت إنها معلومات تثير أسباباً جدية للاعتقاد بوجود خطر تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاحتجاز التعسفي، وأثارت كذلك مسألة غياب معاهدة نافذة بين لبنان ودولة فلسطين تنظم الاسترداد.
بدورها عائلة دبور أعلنت تدهور وضعه الصحي وحمَّلت ياسر عباس مسؤولية ما وصل إليه، فيما أفادت تقارير بأنه خضع لقسطرة في القلب وبقي في المستشفى، مطالبة بتطبيق القانون البناني عليه كونه لاجئاً فلسطينياً ويحمل أوراقاً ثبوتية كلاجىء في لبنان .
وكان دبور لا يزال في لبنان، فيما استمرت المداولات حول مصيره وطلب استرداده.
لماذا يخيف فتح الملف كاملاً؟
يرى مراقبون أنه إذا كانت السلطة الفلسطينية متأكدة من ملفها، فالكشف الواسع عن الأدلة يخدمها قبل غيرها، والمطلوب، نشر الوقائع المالية، تحديد العقارات، تظهير التحويلات، إيضالح المبالغ، وشرح ما استفاده دبور شخصياً.
وفي المقابل، تُفتح الاتهامات التي أثارها هو حول أملاك منظمة التحرير، عندها فقط يمكن القول إن هناك مكافحة فساد.
أما أن يجري التحقيق في أموال السفارة التي كانت تحت توقيع دبور، بينما يبقى ملف الممتلكات الذي طالب هو بكشفه خارج التدقيق العلني، فذلك سيبقي باب التساؤلات مفتوحاً مهما كانت قوة الاتهامات بحقه.
بين حصانة لدبور… وبين حصانة لخصومه
الانحياز إلى حق أشرف دبور في محاكمة عادلة لا يعطيه البراءة إذا ثبت أنه اختلس مالاً عاماً فلسطينياً، فإن الفلسطينيين أنفسهم أول من يملك الحق في محاسبته، لكن الأمر نفسه يجب أن ينطبق على الجميع.
لا يمكن أن تصبح كلمة «فساد» سلاحاً يستخدمه طرف في السلطة ضد خصمه ثم يتوقف مفعولها عندما تتحول الأسئلة نحو السلطة نفسها، إذا كان دبور مطالباً بكشف حساباته، فمن حق الفلسطينيين أيضاً أن يروا حسابات ممتلكاتهم، إذا كان مطالباً بتفسير عمليات الشراء، فمن حقهم معرفة كيف بيعت ممتلكاتهم، إذا كانت السلطة تسأل عن كل دولار خرج من السفارة، فمن حق الناس أن يسألوا عن كل دولار دخل من بيع عقار تابع لمنظمة التحرير، فالمحاسبة يجب أن لا تسير في اتجاه واحد .
ما هي الأزمات التي كشفتها قضية أشرف دبور
من خلال المجريات السابقة، تبين أن هناك ثلاث أزمات متتالية تعصف بالملف بأكمله، أزمة قيادية داخل حركة فتح، أزمة شفافية في إدارة المال والممتلكات الفلسطينية، وأزمة ضمانات قضائية عندما تدخل الخصومة السياسية على خط الاتهام المالي.
وتكشف المعطيات الأخيرة حول التسوية أن هناك حسابات لدى السلطة أو مخاوف من استمرار قضية دبور مشتعلة، خصوصاً بعد التصريحات الأخيرة التي طالب فيها بالإعلان عن التحقيقات باغتيال عرفات، وما صرح به سابقاً عن فساد في بيع أملاك المنظمة، مما أدى إلى طرح التسوية وشراء صمت دبور عوضاً عن فتح ملفاتها التي ربما ستكشف فساداً كبيراً أمام اللاجئين في لبنان والشعب الفلسطيني، في ظل الفقر الكبير الذي يعاني منه اللاجئون في لبنان، والتحديات الكبيرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة .