بين الإهمال والاستجابة: مراكز النزوح في صيدا… واقع متباين ومعاناة واحدة
سلَّطت منصة “مخيمات لبنان بوست” تقريرها الأخير، على أحوال النازحين إلى مدينة صيدا، من اللاجئين الفلسطينيين من مخيمات جنوب لبنان.
وفي إطار جولات مراسل “مخيمات لبنان بوست” في منطقة صيدا وعدد من مناطق إقليم الخروب، على مراكز إيواء النازحين الفلسطينيين واللبنانيين، رُصدت مشاهد ميدانية تعكس واقعًا إنسانيًا متباينًا بين مركز وآخر، حيث تتفاوت مستويات الاستجابة والخدمات المقدّمة، في ظل استمرار تدفق النازحين وتزايد الضغوط على البنى التحتية المتاحة.
وتكشف هذه الجولات عن تداخل بين الجهود الإغاثية المبذولة من جهات محلية وجمعيات أهلية، وبين تحديات كبيرة يعيشها النازحون داخل مراكز الإيواء، ما يجعل المشهد الإنساني في حالة من التفاوت بين الحد الأدنى من الاستجابة وغياب الحلول المستدامة.
في هذا الإطار، جال مراسلنا على مدرستي “رفيديا” و”نابلس” في مدينة صيدا، حيث التقى بعدد من النازحين الفلسطينيين واللبنانيين، واطّلع عن كثب على واقعهم المعيشي داخل مراكز الإيواء، مستمعًا إلى رسائلهم وشهاداتهم حول تفاصيل الحياة اليومية في ظل النزوح القسري الذي فرضته التطورات الأمنية الأخيرة.

وأجمع النازحون في أحاديث منفصلة لـ”مخيمات لبنان بوست” على أن المراكز هذه تشهد مستوى مقبولًا من الاستجابة الإغاثية مقارنة بغيرها من مراكز الإيواء، في ظل جهود تبذلها جمعية “نبع” بالتعاون مع عدد من الشركاء، حيث يتم تأمين وجبات طعام يومية لجميع القاطنين، ما يساهم في الحد من الأعباء المعيشية عن العائلات النازحة.
كما يتم توزيع حصص غذائية بشكل دوري، تُستخدم لتأمين وجبتي الفطور والعشاء، في ظل اعتماد العديد من العائلات بشكل شبه كامل على هذه المساعدات لتلبية احتياجاتها الأساسية، بعد أن فقدت مصادر دخلها نتيجة النزوح.

وفي الجانب الصحي، أفاد النازحون بأن فرقًا طبية متخصصة تجول بشكل مستمر داخل المدارس، لتقديم الرعاية الصحية الأولية، لا سيما للأطفال وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة، حيث يتم إجراء فحوصات دورية وتقديم أدوية أساسية عند توفرها، في محاولة للحد من تدهور الأوضاع الصحية داخل المراكز.
وأشار الأهالي إلى أنّ توفر المياه والكهرباء على مدار الساعة يشكّل عاملًا أساسيًا في استقرار الحد الأدنى من الحياة اليومية داخل مراكز الإيواء، ويساهم في التخفيف من الضغوط المعيشية، خصوصًا في ظل الاكتظاظ والظروف الصعبة.
ورغم هذه الجهود، لفت عدد من النازحين إلى استمرار وجود احتياجات ملحّة لم يتم تلبيتها بشكل كافٍ، أبرزها النقص في بعض الأدوية المتخصصة، وحليب الأطفال، والحفاضات، ما يفرض تحديات إضافية على العائلات، خاصة تلك التي تضم أطفالًا رضعًا أو مرضى.
وفي سياق متصل، تلعب الفرق الشبابية التابعة لجمعية “نبع” دورًا لافتًا في الجانب النفسي والاجتماعي، حيث تتناوب على تنظيم أنشطة ترفيهية وتفاعلية للأطفال داخل المراكز، بهدف التخفيف من آثار الصدمة والضغط النفسي الناتج عن النزوح، وإدخال أجواء من الفرح المؤقت في حياة الصغار.
مدرستيّ “بيت جالا” و”بيرزيت”
غياب الاعتراف الرسمي وتجاهل “أونروا”
وفي زاوية أُخرى، قال أحد ممثلي لجان النازحين في مدرستيّ “بيت جالا” و”بيرزيت” في منطقة وادي الزينة جنوب لبنان، إن أوضاع النازحين داخل المركز لا تزال تعاني من إهمال واضح وغياب الاعتراف الرسمي، موضحًا أن وكالة “أونروا” لم تتعامل مع المركز كموقع إيواء معتمد، “بحجة أننا دخلنا إليه بشكل عفوي ومن دون تنسيق مسبق”، على حد تعبيره.
وأضاف في حديث خاص لـ”مخيمات لبنان بوست” أن “وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية بدورها لم تبادر إلى تسجيل المركز ضمن مراكز الإيواء الرسمية، ما أدى إلى حرمان النازحين من الاستفادة من المساعدات المنظمة، وتركهم يواجهون ظروفهم الصعبة بإمكانات محدودة”.
وأشار إلى أنه بعد نحو أسبوعين من النزوح، طُرح على القاطنين الانتقال إلى مركز آخر، مع اعتماد آلية فصل بين الرجال والنساء، وهو ما قوبل برفض واسع من قبل العائلات، نظرًا لما يحمله من تداعيات اجتماعية وإنسانية، الأمر الذي أدى إلى توقّف أي متابعة رسمية لوضعهم.
وأوضح أن النازحين اضطروا منذ ذلك الحين للاعتماد على أنفسهم، إلى جانب بعض المبادرات المحدودة، لافتًا إلى أنّ”الدعم الذي يصل هو خجول وغير منتظم، ويقتصر في أغلب الأحيان على حصص تموينيّة وحصص تنظيف بسيطة يتم تقاسمها بين الجميع”.
وأكد أن “المساعدات الغذائية والطبية شبه معدومة، باستثناء مبادرات فردية متفرقة، لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، مشددًا على أن وكالة “الأونروا” لم تقدّم أي تدخل مباشر داخل المركز، بل أقدمت في وقت سابق على إزالة شعاراتها من المبنى.
وختم بالقول إن النازحين، رغم صعوبة الظروف في البداية، بدأوا بالتأقلم تدريجيًا مع واقعهم، “لكن ذلك لا يلغي حجم المعاناة اليومية”، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن استمرار تأمين المياه والكهرباء من قبل وكالة أونروا يشكّل الحد الأدنى من مقومات الصمود داخل المركز.
مركز سبلين: استجابة موجودة لكن غير كافية
وفي مركز سبلين التابع لوكالة “الأونروا” في إقليم الخروب، تتداخل صورة توفر الخدمات الأساسية مع تحديات أخرى تزيد من معاناة النازحين، في ظل اكتظاظ كبير وضغط متزايد على الإمكانات المتاحة.
وقال أحد النازحين إن المياه والكهرباء مؤمنتان بشكل يومي، ما يوفّر الحد الأدنى من مقومات الحياة داخل المركز، “لكن التقديمات لا تلبي الحاجة”، مشيرًا إلى أن الوجبات الغذائية المقدّمة لا تكفي ولا تسد احتياجات العائلات، كما أنها لا ترتقي إلى المستوى المتوقع.
وأضاف أن هناك نقصًا واضحًا في بعض المستلزمات الأساسية، لا سيما حليب الأطفال والحفاضات، إلى جانب الحاجة لتعزيز الرعاية الصحية، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة مثل الحوامل وذوي الأمراض المزمنة.

وفي سياق متصل، لفت إلى أن إدارة المركز تفرض قيودًا على إدخال المستلزمات من الخارج، حيث يُمنع إدخال الطعام إلى داخل المركز، ما يضطر النازحين إلى تناوله خارج أسواره، فضلًا عن منع إدخال بعض الأدوات الأساسية مثل الملاعق والشوك ووسائل الطهي كأجهزة الغاز، الأمر الذي يحدّ من قدرة العائلات على إدارة شؤونها اليومية بشكل طبيعي.
وأشار إلى أن المركز يضم حاليًا ما بين 1500 إلى 1600 نازح، من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، ما يزيد من الضغط على الخدمات المتوفرة ويضاعف من حجم التحديات داخل المركز.