ملف أملاك منظمة التحرير في لبنان: حين يتحوّل الصمت إلى شهادة اتهام

أعاد السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، كاسرًا صمتًا طويلًا لم يكن – وفق روايته – عجزًا أو تواطؤًا، بل خيارًا محسوبًا لتجنيب اللاجئين الفلسطينيين مزيدًا من الإحباط، في مرحلة كانت القضية الوطنية تمر فيها بأشد ظروفها قسوة وتعقيدًا.
غير أن هذا الصمت، الذي طالما استفاد منه آخرون لإدارة ملفات مالية وعقارية بعيدًا عن الرقابة والرأي العام، انتهى لحظة بدأت الوقائع تخرج من إطار “الإدارة الداخلية” إلى شبهة التفريط بالمال العام، واستغلال النفوذ، والتصرف بأملاك تعود للشعب الفلسطيني وكأنها أصول خاصة قابلة للتقاسم.
رواية متماسكة مقابل نفي إنشائي
ما يميز طرح دبور، مقارنة بالبيانات الرسمية اللاحقة، أنه لم يكتفِ بالشعارات أو التعميم، بل قدّم تسلسلًا زمنيًا واضحًا لملف مبنى منظمة التحرير في بيروت والأرض المحيطة به: ملكيات معروفة، تنازلات موثقة، لجان مكلفة، وقرار بيع انتهى بسعر – بحسب تقديرات لجان تخمين – يقل كثيرًا عن القيمة الحقيقية للعقار.
الأهم أن دبور لم ينفِ مسؤوليته السياسية أو الإدارية، بل أعلن صراحة اعتراضه الخطي على البيع، واقتراحه استثمار العقار في مشروع يخدم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وهو طرح يتسق مع طبيعة الدور التمثيلي المفترض بالسفارة، ويصطدم في الوقت ذاته بعقلية تحويل الأصول الوطنية إلى سيولة سريعة.
لحظة الانكشاف: نصف مليون دولار
النقطة الفاصلة التي منحت رواية دبور وزنها الحقيقي، لم تكن الاعتراض على السعر فقط، بل ما كشفه لاحقًا عن عرض مبلغ 500 ألف دولار عليه، بوصفه “عربون تقدير”، بعد إنجاز صفقة البيع. هنا، انتقل الملف من خلاف إداري إلى شبهة فساد مكتملة الأركان.
ففي المؤسسات العامة، لا يُعرض “التقدير” نقدًا، ولا يُمنح من أصل ثمن بيع ملك عام، ولا يُقدّم لشخص كان قد أعلن اعتراضه على الصفقة. هذه الوقائع، بحد ذاتها، تطرح أسئلة أعمق من مجرد النفي، وتُفسر – إلى حد بعيد – لماذا أصبح كسر الصمت ضرورة، لا ترفًا سياسيًا.
بيان المنظمة: هروب إلى الهجوم
في المقابل، جاء رد منظمة التحرير الفلسطينية بنبرة دفاعية هجومية في آن واحد. فبدل تفنيد الوقائع بالأرقام والوثائق، لجأ البيان إلى التشكيك بالشخص، وربط تصريحاته بملفات تحقيق أخرى، ما يوحي بمحاولة خلط الأوراق أكثر من السعي لتوضيح الحقائق.
واللافت أن البيان، رغم حدّته، لم ينفِ بشكل مباشر جوهر قضية بيع المبنى أو آلية التسعير، بل ركّز على اتهام دبور بسوء التصرف خلال فترة عمله، وهي اتهامات لم تُحسم قضائيًا بعد، ولا تُسقط – من حيث المبدأ – حقه في طرح معلومات تتعلق بملف مستقل يمس المال العام.
ترحيب دبور… وتمسّك بالقضاء
في رده اللاحق، لم يتراجع دبور، ولم يتبنَّ خطاب المظلومية، بل رحّب بإحالة الملف إلى القضاء، مؤكدًا استعداده لتحمل المسؤولية الكاملة عن أقواله، ومطالبًا في الوقت نفسه بقضاء نزيه غير مسيّس. هذا الموقف، سياسيًا وإعلاميًا، يعزز صورته كطرف يسعى إلى كشف الحقيقة لا إلى الهروب منها.
كما أن دعوته الرئيس محمود عباس للتدخل، لم تأتِ من باب الاستقواء، بل من باب حماية ما تبقى من ثقة الجمهور الفلسطيني بمؤسساته، في وقت تتآكل فيه هذه الثقة بفعل ملفات غير مغلقة، وقرارات لا تخضع للمساءلة.
من الأكثر مصداقية؟
بين رواية تستند إلى تسلسل وقائع، واعتراضات مكتوبة، وأرقام محددة، واستعداد للمثول أمام القضاء، وبين ردود إنشائية تعتمد النفي والتخوين، يميل الميزان – في نظر مراقبين – لصالح الطرف الذي قرر الكلام بعد أن استنفد الصمت أغراضه.
القضية لم تعد مسألة مبنى أو أرض في بيروت، بل اختبار حقيقي لجدية الحديث عن الشفافية داخل منظمة يفترض أنها تمثل شعبًا قدّم كل شيء، ولا يملك ترف أن تُدار أملاكه بعقلية الغنائم.
إلى أن يقول القضاء كلمته، يبقى ما طرحه أشرف دبور أقرب إلى بلاغ موثّق منه إلى ادعاء عابر، ويبقى السؤال الأهم: لو لم يتكلم الآن، كم ملفًا آخر كان سيبقى مطويًا… وبأي ثمن؟