وفاة حكواتي فلسطين… حمزة العقرباوي
توفيّ الحكواتي والباحث الفلسطيني حمزة العقرباوي غرقًا في نهر النيل بمصر بعدما سقط من القارب الذي كان يستقله في ساعات الليل، وتم انتشال جثمانه صباح اليوم الثلاثاء.
وقالت عائلة العقرباوي في تصريحات صحفية، الثلاثاء، إن نجلهم توفي إثر غرقه في نهر النيل، دون توفر تفاصيل إضافية حول ظروف وملابسات الحادث، فيما لم يصدر تعليق رسمي من السلطات المصرية حتى الآن. وأفادت مصادر مقربة، أن العقرباوي كان ممنوعًا من السفر، وكانت هذه أول رحلة له إلى الخارج.
ويُعد العقرباوي (42 عامًا) من أبرز الحكواتيين الفلسطينيين، وينحدر من بلدة عقربا جنوب شرقي نابلس شمالي الضفة الغربية. عُرف باهتمامه بجمع الموروث الشعبي الفلسطيني، وتوثيق الحكايات الشفوية المرتبطة بالحياة اليومية والذاكرة الجمعية في القرى الفلسطينية.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، نعاه ناشطون ومثقفون، مؤكدين أن رحيله يمثل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي الفلسطيني.

فمن هو حمزة العقرباوي؟
حمزة العقرباوي باحث وحكواتي فلسطيني وُلد عام 1984، ونشأ في بيئة ريفية أسهمت في تشكيل اهتمامه العميق بالتراث الشفهي والتاريخ الاجتماعي لريف نابلس وفلسطين عمومًا.
عمل على توثيق الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية عبر منهج يجمع بين البحث الميداني والسرد الحكائي. أنشأ أرشيفًا يضم مئات الصور والوثائق التاريخية، تشمل دفاتر قديمة، مراسلات، وثائق ملكية وشهادات، تغطي فترات تمتد من أواخر القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين، ما أتاح قراءة دقيقة لتاريخ الناس والمكان.
آلاف الشبان والشابات اصطحبهم العقرباوي، الذي كان يقود مجموعة “تجوال سفر”، عبر سنوات طويلة، والتي تنظم مسارات مشي في مختلف أرضي الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، حيث كانوا يصدحون بأصواتهم في الوديان والجبال مرددين بعد العقرباوي: “حب الأرض وغنيها، غنيها بتغنيها وأحلى أرض بكل الأرض، الأرض اللي بنمشي فيها”.
كان المشاركون ينصتون إلى حكايات العقرباوي حول كل قرية وبلدة ومدينة يمرون بها، تاريخها وجغرافيتها وعلاقتها مع المحتل، وكيف قاومت الأتراك ومن بعدهم الإنكليز، ومن بعدهم الاحتلال الإسرائيلي.
يسرد تاريخ الغزاة عبر أبطال البلاد الذين قاوموا واستشهدوا، فذهب الغزاة وبقيت قصص الأبطال من أمثال أبو جلدة والعرميط، الذين دوّخوا الجيش الإنكليزي في جبال نابلس.
ومن الحكايات الشفوية إلى التوثيق كان يتنقل بسلاسة لا يتقنها كثيرون منهم. حمزة العقرباوي كان يحرص على نسج علاقة بين هذا الجيل والأرض وأبطالها بخيوط من الأرض لا تنقطع، وبجولات ممولة ذاتياً وليس من المانحين كما درجت العادة أن يكون كل حدث في فلسطين منذ اتفاقية أوسلو 1993.
وفي مجال الحكاية الشعبية، قدّم عروضًا وجولات معرفية تُروى فيها القصص في سياقها الجغرافي الطبيعي، محوّلًا المكان إلى نص حي، ومؤكدًا دور الذاكرة الشفوية كمصدر معرفي.
وبذلك مثّل العقرباوي جسرًا بين الذاكرة الشعبية والتوثيق المعاصر، وأسهم في صون الهوية الثقافية الفلسطينية ونقلها للأجيال بوعي ومنهجية.