من بيت جالا إلى هندوراس: وثائق الانتداب البريطاني تحسم الجدل حول جذور عائلة المرشح الرئاسي سلفادور أليخاندرو نصرالله


لا تُحسم القضايا العامة بالشهرة ولا بتكرار الروايات، بل بالأدلة الموثّقة التي تخضع لمنطق الدولة والقانون. وبين تضارب التقارير الإعلامية حول أصول عائلة المرشح الرئاسي في هندوراس سلفادور أليخاندرو نصرالله، جاءت وثائق رسمية صادرة عن سلطات الانتداب البريطاني لتضع حدًا نهائيًا لأي التباس، وتعيد النقاش إلى أساسه الصحيح: السجل السيادي.
هذا التحقيق يستند حصريًا إلى وثائق أصلية محفوظة ومُدققة، حصلت عليها مؤسسة “هوية” – المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية، وتعود إلى الفترة ما بين عامي 1940 و1942.
الوثيقة التأسيسية: طلب الجنسية الفلسطينية (1940)
في 17 أيلول/سبتمبر 1940، تقدّم عيسى عودة نصرالله بطلب رسمي للحصول على الجنسية الفلسطينية، وفق Palestinian Citizenship (Amendment) Order, 1939، أثناء إقامته في مدينة تروخيو – هندوراس.



الوثيقة، الصادرة عن دائرة الهجرة التابعة لحكومة فلسطين، تُعد حجر الأساس في هذا الملف، إذ تنص بوضوح إداري لا يقبل التأويل على ما يلي:
- مكان الولادة: بيت جالا – فلسطين
- تاريخ الولادة: 1 نيسان / أبريل 1886
- الديانة: كاثوليكي أرثوذكسي
- الأصل: عربي
- المهنة: تاجر
- تاريخ مغادرة فلسطين: تشرين الثاني / نوفمبر 1913
الأهمية الجوهرية لهذه الوثيقة لا تكمن فقط في تحديد مكان الولادة، بل في تأكيد الارتباط القانوني المستمر بفلسطين، وهو شرط جوهري لمنح الجنسية آنذاك، ويتجسد في:
- مراسلات منتظمة مع الأقارب في بيت جالا
- امتلاك منزل وأراضٍ مسجلة في فلسطين
- نية صريحة للعودة والاستقرار مستقبلًا في بيت جالا
هذه المعطيات لا تُسجّل بناءً على تصريح فردي، بل بعد تحقق إداري رسمي.
العائلة بالأسماء: من السرد إلى السجل
ضمن الطلب نفسه، تُدرج الوثيقة الزوجة والأبناء بالأسماء والأعمار، وهم:
- الزوجة: زهراء إبراهيم قمصية (من بيت جالا)
- الأبناء:
- مانويل
- أولغا
- أليخاندرو
- أمريكا
- لوسيا
- نعيم
هذه البيانات تتطابق تطابقًا كاملًا مع شجرة العائلة الموثقة التي نشرتها مؤسسة “هوية”، بما في ذلك التسلسل الزمني والتحول اللغوي للأسماء من العربية إلى الإسبانية، وهو نمط معروف في الهجرة الفلسطينية المبكرة إلى أمريكا اللاتينية.
هذا التطابق ينقل النسب من إطار الرواية المتداولة إلى سجل موثّق قابل للتحقق.
مرحلة التدقيق الإداري: الصور والمتابعة (1941)
في عام 1941، انتقل الملف إلى مرحلة المتابعة الإدارية، والتي شملت:
- إرفاق صور شخصية رسمية لعيسى عودة نصرالله وزوجته
- مطابقة الاسم العربي مع الصيغة اللاتينية في السجلات
- التحقق من الوضع القانوني وعدم وجود أي مانع أمني
- مراجعة الشهود المذكورين من بيت جالا
هذه المرحلة تمثل ما يُعرف إداريًا بـ طبقة التحقق (Verification Layer)، وهي مرحلة لا يُستكمل بعدها الملف إلا في حال استيفاء الشروط كاملة.
القرار السيادي: شهادة الجنسية الفلسطينية (1942)
في 18 كانون الأول/ديسمبر 1942، أصدرت حكومة فلسطين – دائرة الهجرة إشعار استلام شهادة التجنّس، برقم تسجيل 69372، موقّعًا من صاحب العلاقة.
الوثيقة تنص صراحة على:
- الاعتراف بالجنسية الفلسطينية
- استكمال جميع المتطلبات القانونية
- عدم حيازة أي جنسية أخرى فعالة عند صدور الشهادة
من الناحية القانونية، هذه الوثيقة تُعد قرارًا سياديًا نهائيًا، ولا يمكن الطعن به إلا بوثيقة رسمية أعلى مرتبة، وهو أمر غير موجود في هذا الملف.
لماذا تُغلق هذه الوثائق أي جدل؟
لأن ما بين أيدينا ليس مستندًا منفردًا، بل سلسلة قانونية متصلة:
طلب رسمي (1940) → تدقيق إداري (1941) → صور وهوية → متابعة → شهادة سيادية (1942)
في منطق التحقيق، هذه تُصنّف كـ Chain of Custody مكتملة.
وأي رواية لا تستند إلى هذا المستوى من التوثيق تبقى خارج إطار الإثبات.
الخلاصة
الوثائق الصادرة عن سلطات الانتداب البريطاني تثبت بشكل قاطع أن عائلة نصرالله فلسطينية الجذور من بيت جالا، وأن وجودها في هندوراس يعود إلى هجرة فلسطينية مبكرة سبقت نكبة عام 1948.
في هذا التحقيق، لم تنتصر الرواية الأكثر تداولًا، بل الرواية المدعومة بسجل سيادي كامل.
وهنا، الوثيقة قالت كلمتها الأخيرة.