عمال المياومة في مخيمات صور يترقبون المجهول بجيوب فارغة وسلال “أونروا” لا تسد الرمق
تشهد مخيمات منطقة صور (الرشيدية، البص، والبرج الشمالي) حالة من الترقب الحذر المصحوب بالقلق. فرغم أجواء الهدنة الهشة التي خيمت على المنطقة، إلا أن الأزمة المعيشية والاقتصادية الصامتة لا تزال تفتك بآلاف العائلات خلف الجدران المتلاصقة للبيوت المعمرة.هنا، في هذه الأزقة التي تختزل عقوداً من اللجوء، يقبع العمال اليوميون (المياومون) في عين العاصفة؛ فالحرب لم تشل "العصب الاقتصادي" للمخيمات فحسب، بل تركتهم اليوم معلقين بين رغبة عارمة في العودة إلى حقولهم وورشهم، وخوف دائم من انهيار الهدنة باشتعال ميداني مفاجئ.
بين مطرقة الخوف وسندان الجوع: العمل تحت رحمة الترقب:
في زاوية ضيقة داخل مخيم الرشيدية، يجلس أبو فهد (٥٠ عاماً)، وهو عامل زراعي وأب لخمسة أطفال، يراقب الأخبار عبر هاتفه المحمول بعينين يملأهما القلق. بالنسبة له، فإن هذه الهدنة لم تحمل معها الاستقرار، بل حملت حيرة قاسية.
يقول أبو فهد بنبرة متقطعة:"الهدنة هشة والجو مسموم بالخوف. بنزل ع السهول والبساتين المحيطة بالمخيم وعيني ع السماء، وعيني الثانية ع الطريق لأشوف إذا الناس بدها تهرب. بدنا نشتغل ونعوض الأيام اللي قعدناها بلا لقمة عيش، بس الخوف بلاحقنا. إذا انهار الاتفاق وإحنا بالحقل، بنكون بنخاطر بحياتنا، وإذا قعدنا بالبيت بنموت جوع".
هذا الخوف ليس مجرد هواجس، بل هو واقع مرير دفعت المخيمات ثمنه دماً؛ فقد تحول العجز المعيشي وغياب البدائل إلى مصيدة للموت، بعدما سقط عدد من عمال البساتين شهداء لقمة العيش نتيجة استهدافهم أثناء محاولتهم تحصيل رزقهم وقوت عيالهم وسط الميدان المتأرجح.
هذا الترقب الدامي شلّ أيضاً حركة البناء والترميم داخل المخيمات؛ فأصحاب الورش يترددون في إطلاق أي مشاريع جديدة خوفاً من تجدد القصف، مما أبقى مئات عمال البناء والمهن الحرة الصغيرة في حالة عطالة قسرية، بانتظار وضوح الرؤية السياسية والميدانية.
الشباب المعيل: انكسار الطموح المهني ومعضلة "إنذارات الإخلاء":
وفي عمق هذه الأزمة، برزت فئة "الشباب المعيلين" الذين فرضت عليهم الحرب التخلي عن طموحاتهم المهنية والانكفاء نحو خيارات معيشية قاسية لتأمين عائلاتهم.وفي هذا السياق، لم تكتفِ الحرب بنشر الخوف بل قطعت سبل العيش؛ حيث يُجسّد الشاب أكرم جمعة، وهو أب لثلاثة أطفال والمعيل لأسرة تكافح الصمود، فصلاً قاسياً من فصول العطالة القسرية. كان أكرم يعمل في واحدة من أكثر المناطق خطورة واستهدافاً عند مفرق معركة—المنطقة التي طالما واجه فيها الموت والتهديد والقصف المستمر أثناء عمله. ومع اشتداد حدة العدوان، أُجبر على إغلاق مصلحته بالكامل، ليتخطى اليوم حاجز الـ 100 يوم بلا عمل، في ظل انعدام تام لأي بديل اقتصادي؛ مئة يوم تتضاعف فيها مرارة العجز أمام متطلبات أطفال صغار، يزداد وضعهم سوءاً مع كل يوم يمر وسط هذا الحصار المعيشي الخانق.
هذا الانكسار المهني يتطابق تماماً مع واقع الشاب رياض رميض (27 عاماً)، وهو معيل لأسرة في مخيم برج الشمالي، إذ يختصر هذا الواقع المأساوي بوجهٍ أنهكه التفكير، حيث تحول عمله اليومي إلى رحلة شاقة لتأمين بضع ليرات هندسها خارج سياق اختصاصه.
يقول رياض بنبرة يملأها الانكسار:"صرت فكر من وين بدي أمن مصاري.. صرت بدي اشتغل شغل غير مهنتي حتى لو معاش قليل داخل المخيم، وأكيد الشغل مش دائم. الحرب خلتنا نقبل بأي شي بس لحتى عائلاتنا ما تجوع، وكل طموحاتنا المهنية تجمّدت".
ولا تتوقف حدود المعاناة لدى الشباب المعيل عند العجز المادي، بل تتعداه إلى عبء اتخاذ القرارات المصيرية المرتبطة بالحياة والموت عند صدور التهديدات الأمنية.
يضيف رياض واصفاً لحظات الرعب القصوى:"الضغوطات يلي عانينا منا هيي وقت الإنذار (إنذارات الإخلاء القسرية).. صرنا نفكر وين ننزح؟ وحتى إذا نزحنا أكيد النزوح مش هين وإلو تكلفة ما بنقدر عليها، فـ نضطر إنو نبقى بالبيت رغم كل المخاطر. كشباب مسؤولين عن عائلات، بنلاقي حالنا بين نارين: خطورة القصف داخل المخيم، أو بهدلة التشريد والنزوح المجهول برا".
مساعدات "الأونروا": حصص جافة وعجز يفاقمه غياب الأفق
مع استمرار حالة انعدام اليقين، اتجهت أنظار العائلات نحو وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) باعتبارها المسؤول الدولي والمباشر عن إغاثتهم في أوقات الطوارئ. إلا أن المساعدات المقدمة تواجه انتقادات حادة من الأهالي، الذين يرون أن "سلال الطوارئ" لا تتماشى مع واقع يعيش فيه العامل بلا أجر مستدام.أم محمد، زوجة عامل مياوم وليس لهم معيل، تتحدث عن هذا العجز المعيشي قائلة:"الحصة الغذائية الجافة اللي بتقدمها الأونروا بتسند لـ كم يوم، بس الهدنة الهشة ما بتدفع إيجار بيت، وما بتشتري حليب أو حفاضات للأطفال، وما بتجيب دوا. إحنا بوضع معلق؛ لا إحنا بحرب كاملة لنحصل ع إغاثة دولية مكثفة، ولا إحنا بسلم ليقدر أزواجنا يشتغلوا بحرية وسلام بدون ما يخافوا يرجعوا لنا بنعش. الأونروا مطالبة ببرنامج طوارئ مالي مباشر (كاش) يسد العجز الحقيقي، مش بس كرتونة مؤونة بعد أشهر من الحرب".
وفي هذا الإطار، يضع المسؤول في المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، حسن السيدة، أداء الوكالة تحت مجهر الرصد الحقوقي:"لقد مرّت على هذه الأزمة المعيشية الخانقة أكثر من 100 يوم، وجاءت استجابة الأونروا متأخرة وشحيحة لا ترقى لمستوى الكارثة الحاصلة. ما جرى توزيعه مؤخراً من 'كرتونة تموينية' بسيطة لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية للاجئين، والوعود المؤجلة بدفع مساعدات مالية لم تعد تكفي لتهدئة العائلات التي فقدت دخلها بالكامل واضطر أبناؤها للمخاطرة بأرواحهم تحت القصف لئلا يموتوا جوعاً. نحن في مؤسسة (شاهد) نرى أن غياب الدعم النقدي المباشر والدوري لعمال المياومة في هذا التوقيت بالذات هو تخلٍّ واضح عن شبكة الأمان الاجتماعي الملزمة بها الوكالة".
إن الأونروا اليوم مطالبة بتجاوز التوصيفات التقليدية لخدماتها والانتقال الفوري إلى خطة استجابة إغاثية طارئة وشاملة. وتتلخص أبرز المطالب الحقوقية والشعبية الملحة في النقاط التالية:
تأمين مقومات المعيشة الأساسية بشكل مستدام طيلة فترة الأزمة.
تقديم مساعدات نقدية عاجلة ودورية لعمال المياومة الذين فقدوا مصادر رزقهم لحمايتهم من اضطرار النزول إلى مناطق الخطر.
تفعيل شبكة الأمان الاجتماعي كواجب إلزامي يقع على عاتق الوكالة باعتبارها المظلة الدولية الشاهدة على مأساة اللجوء.
اللجنة الشعبية: كارثة صامتة.. والهدنة لم تحل الأزمة الاقتصادية
من جانبه، صرّح مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم برج الشمالي، السيد محمد رشيد (أبو رشيد)، حول واقع العمال قائلًا:"إن اللاجئ الفلسطيني في لبنان محروم أصلاً من العمل في نحو 72 مهنة، ويعاني من أزمات معيشية تراكمية حادة. ومع اندلاع الحرب التدميرية في الجنوب، تفاقمت هذه المعاناة بشكل غير مسبوق؛ حيث يعيش عمالنا المياومون حالة بطالة تامة وتوقف كامل عن العمل، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالزراعة، الحسبة (سوق الخضار)، والإنشاءات. هذا الشلل التام أضاف أزمة معقدة جديدة انعكست بثقلها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي داخل المخيمات".وأكد أبو رشيد في تقييمه لاستجابة الأونروا:"رغم تمسكنا الثابت بوكالة الأونروا كشاهد سياسي وقانوني على قضيتنا، إلا أنه كان هناك تقصير واضح ومتكرر من قبل الوكالة في تقديم الخدمات والمساعدات المالية والغذائية منذ بدء العدوان. كان المفترض بالوكالة تشكيل لجنة طوارئ حقيقية فور اندلاع الأزمة لتقديم العون والإغاثة العاجلة للمخيمات الفلسطينية في الجنوب، وهو ما لم يحدث بالمستوى المطلوب لسد الفجوة الكبيرة".
وحول الخطوات الميدانية التي اتخذتها اللجنة الشعبية، أوضح أبو رشيد:"أمام هذا العجز والفجوة القائمة في خدمات الأونروا، لم تقف اللجنة الشعبية مكتوفة الأيدي؛ حيث رفعنا مذكرة عاجلة وطارئة إلى المدير العام للأونروا في لبنان نطالبها فيها بالتدخل السريع وتقديم مساعدات مستعجلة، كما أطلقنا مناشدات واسعة للجمعيات الدولية، والصليب الأحمر، ومنظمة اليونيسف للوقوف عند مسؤولياتهم في هذه الأوقات العصيبة".
وعن آليات التنسيق والعمل المشترك، أضاف:"بقيت مكاتب اللجان الشعبية مفتوحة على مدار الساعة طوال أزمة الحرب لخدمة أهلنا...نؤكد أن هناك تقصيراً واضحاً ومؤسفاً من قبل باقي الجمعيات والمؤسسات الأهلية فيما يخص دعم العمال العاطلين عن العمل، وتأمين المتطلبات الحساسة للأسر التي تعيل أطفالاً، مثل الحليب والحفاضات والأدوية".
بين سلال غذائية لا تسد العجز، وتأرجح الميدان الذي خطف أرواح عمالٍ لم يكن لهم ذنب سوى السعي وراء قوت يومهم، تبقى مخيمات صور هي الحلقة الأضعف في المشهد. إن صمود هذه المخيمات اليوم يمر عبر معركة صامتة يقودها القلق وترقب المجهول؛ معركة تتطلب حلولاً إغاثية فورية تتجاوز "مسكنات" الوعود، قبل أن يتحول هذا الهدوء الحذر إلى انفجار اجتماعي ومعيشي شامل.
مشاهدة
يوليو 8, 2026